قال مراقب الرادار الهندي للطائرة الروسية التي كانت على ارتفاع 23 الف قدم :الطائرة الكازاخية 1907انزل الى ارتفاع الف قدم،هناك طائرة سعودية امامك مباشرة على بعد 14 ميلا على ارتفاع 14 قدم.
اجابت الطائرة الروسية مع وشوشة في الاتصال بالراديو:
الطائرة الكازاخية 1907 نازلة الى ارتفاع15الف قدم .
كان السكون والظلام يخيم على غرفة القيادة الا من ارقام عداداتها التي كانت تضفي على ذلك الجو شيئا من الرهبة.
وبينما كان المهندس الجوي احمد يدور بعينيه على عدادات الضغط والحرارة والتكييف كان المساعد نذير يحرك بعض المفاتيح بيده اليسرى،وفي الوقت نفسه كان القبطان خالد ينظر بعينيه الى خارج الطائرة من الامام ومن الجهة اليسرى في ذلك الظلام(وقد ابقى مصابيح الطائرة الخارجية مضاءة)فلعله يرى اثرا لاي طائرة حوله،وفجأة كانت منه التفاتة سريعة نحو اليسار،فلم يصدق ما رأى.............لقد رأى شبحا هائلا قد لفه السواد يتجه اليه من جهته اليسرى بسرعة هائلة ولم يدل عليه الا بريق ذلك الضوء الاحمر الذي من فوقه.
لقد رأى خالد القدر المحتوم...
لقد رأى اللحظات الاخيرة....
لقد رأى الحق..
ويقف الدماغ عن التفكير فزعا.
وينقبض القلب هلعا..
وتتسع حدقة العين جزعا..
.
.
.
وتنحبس الكلمات في الصدور الا من كلمة التوحيد فتخرج بقوة من القلب الذي طالما ذاب من خشية الله(ولا نزكي على اله احدا)فيصرخ مرددا اياها اشهد....................
خرجت منه كلمة التوحيد بسرعة وهي تسابق الطائرة القادمة بسرعة الصاعقة وتنقبض اعصاب يده واصابعه وتمسك بزمام المقود بسرعة وتدور الى الجهة اليمنى(لا شعوريا)وهو يكمل ترديد شهادته اشهد الا اله الا الــ....
قبل تلك اللحظات العصيبة دعونا نرجع الى الوراء قليلا وندخل الى مقصورة القيادة للطائرة الروسية وهي تغادر الارتفاع 23الف قدم في ذلك الليل الحالك السواد وهي تنزل الى الارتفاع المطلوب منها لنرى انها قد اتظت بـ6ملاحين:-قبطان الطائرة ومساعده والمهندي الجوي وفني اتصالات الراديو ومرشد خرائط جوية وشخص اضافي سادس.
ولقد كان الجميع يستمعون الى الارشادات الموجهة من قبل الرادار الهندي باللغة الانجليزية وهم يضعون السماعات على اذانهم وكانت وظيفة فني الاتصالات في غرفة القيادة عندهم هو ترجمة تلك الارشادات من الانجليزية الى الروسية،وهذا ما حصل بالفعل فقد سمع بعضهم الامر بالنزول الى15 الف قدم الا ان القبطان قد فهم ان الامر هو بالنزول الى 14 الف قدم ويبدوا ان ذلك سبب سماعه للرقم 14 مرتين،اذ ان الرادار الهندي قال له:هناك طائرة سعودية تبعد 14 ميلا ..على ارتفاع 14 قدم.
وهكذا اكملت الطائرة الروسية نزولها متجاوزة الـ15الف قدم نازلة الى14 الف قدم وهنا تنبه مساعد الطيار وكذلك فني الاتصال الذي التفت الى القبطان وهو متردد وهو يرى الطائرة نازلة عن ارتفاعها المحدد لها:
اصعد يا قبطان ان مكانك ليس هنا...يفترض فينا الا نكون على هذا الارتفاع.
ويلتفت القبطان الروسي الى عامل الراديو وعلامات الاستغراب بادية على وجهه ولسان حاله يقول:انا القبطان هنا ولقد امرنا بالنزول الى 14 الف قدم.
ويلتفت الى مساعد الطيار الذي لم ينبس ببنت شفة بل ترك الجدال بينهما وكأن الامر لا يعنيه.
ويتردد عامل الراديو ويتلعثم وهو يحاول اقناع القبطان الذي يرفض الاقتناع بسهولة وكأنه يستعطفه بان ما يقوله كان صحيحا ويعيد عليه الكلام مرة اخرى :
ان مكاننا ليس هنا....لا يفترض ان نكون هنا......اصعد يا قبطان...هناك هناك...آ..آ..وتابى عقلية القبطان الروسي ان تتقبل ذلك الكلام من عامل راديو فنراه قد استبد برأيهة ولم يعر اهتماما له ولا حتى مساعده الذي صمت وجلس مكتوف اليدين.
في هذه اللحظات السريعة كانت الطائرة تشق طريقها مسرعة بين سحب طبقية خفيفة.
ويلوح لافراد طاقم القيادة بريقلا شئ لامع يظهر فجأة ثم يختفي بسبب تلك السحب،ثم تلوح انوار خافتة ما تلبث ان تقوى شيئا فشيئا ويزيد اقترابها سرعة وتمر الللحظات سريعة وفجأة تنقشع السحب عن انظار طاقم الطائرتين ويصاب كل منهما بذهول المفاجأة ويصيح القبطان الروسي مولولا بعد الاصطدام بينما يستغفر ويستشهد القبطان الشبيلي الى ربه العلام .
ويحصل الاصطدام المروع بين الطائرتين فينكفئ من كان واقا في الطائرة السعودية من المضيفين و الركاب على ظهره او يسقط على وجهه ويعلوا الصراخ والعويل من النساء والرجال والاطفال ةتنطفئ الاضواء وتقدح الشرارات الكهربية ويدخل تيار بارد شديد من الهواء وتتطاير الاوراق والمخدات من بين المسافرين وتنشفط الى خارج الطائرة بسبب اختلاف الضغط.وينفلت زمام الطائرة من يدي القبطان الشبيلي بسبب قوة الضربة ويميل جميع الطاقم الى الجهة اليمنى ويصطدم المهندس الجوي احمد بلوحة العدادات التي يعمل عليها امامه وينتاب الجميع الخوف والفزع وتصبح اجهزة انذار الطائرة بكل انواعها المحذرة من اختلاف في الضغط والاكسجين وفتح الابواب واحتراق المحركات وتعطل الكهرباء وانفصال حبال التحكم المعدنية باجنحة الطائرة وذيلها، ولكن سرعان ما يعود القبطان خالد ويمسك بمقودها وهو يصارع فيها اختلاف التوازن.
واهتزت الطائرة العملاقة هزا لم تر له مثيل على اثر انفصال الجزء الاخير منها وطار بعيدا وتطاير بسبب ذلك بعض المسافرين في الهواء وانقلبت الطائرة رأسا على عقب وقد احتوشتها السنة اللهب من كل جهة
مكونة بذلك مسارا ناريا حلزونيا يتجه الى الارض.كما حدث انشراخ اخر في الجزء الاوسط الذي اخذ يزيد شيئا فشيئا حتى انفصل عنها بما فيه من المسافرين الذين ما فتئوا يصيحون ويصرخون وهو يهوي بهم الى الارض بعيدا عن مقدمة الطائرة.
.
.
.
اذهل ذلك المنظر المروع اهل القرى جميعا فا شرأبت اعناقهم فزعا وزاغت ابصارهم هلعا وهم يرون كتلتين عظيمتين من نار،تتطايرمنهما شظايا في كل اتجاه،تشتعلان فجأة ثم تسقطان على الارض مخلفة وراءها دويين رهيبينلم يروا له مثيلا.
عندها تدافع الناس من اهل المزارع والقرى باتجاه النيران المشتعلة مسرعين وتلفت الناس وهم يتساءلون:
ما هذا؟!ما هذا؟!
فمنهم من خاف وقام يعبد ربه،ومنهم من خاف وبقي مكانه،ومنهم من اتجه كما هو حال الشرطة الهندية وبعض من كان يعنيهم الامر بجدية اكثر.
ولكن لحكمة يريدها البارئ-جلا وعلا-فقد سقطت هاتان الطائرتان في مناطق بعيدة عن مراكز الاطفاء،الامر الذي جعل النيران تظل مشتعلة فيها قرابة الـ16 ساعة متواصلة الى ان حولتها الى فحم متناثر الاجزاء.
تلك المزارع التي كانت شبه مهجورة الا من بعض اكواخ لفلاحين،وبعض الفقراء الذين يسكنون فيها،والتي كان الظلام يلفها لفا ،اصبحت مضاءة بفعل حطام الطائرةتين المشتعل ،وجثث المسافرين التي تناثرت هنا وهناك،وقد احالتها النيران الى اجساد متفحمة،هرع اليها كثير من المزارعين الذين حاولوا يائسين ان ينقذوا ما يستطيعون انقاذه من تلك الاشلاء المتناثرة .ولقد رأى سكان القرى تلك الطائرة الجامبو وهي تتأرجح يمينا وشمالا وهي تهوي من السماء مبتعدة عنهم غربا وعندما علم بعضهم بانها طائرة اصطدمت باخرى ،وان الطيار كان يتألاجح بها محاولا انقاذها من السقوط ولكنها هوت الى الارض محدثةنارا وانفجارا عظيمين بدأبعضهم ينادي وهو يصلي بكل خشوع تجاه الطائرة المشتعلة ؛انه الاله المنقذ....انه الاله المنقذ......لقد انقذ حياة قريتنا من الهلاك ...انه الاله المنقذ.
وبعد نصف ساعة من ذلك الحادث المروع كان الخبر قد تجاوز تلك المزارع الفقيرة الى انحاء العالم كله عبر الاقمار الصناعية؛حيث اعلنتها محطة التلفزيون الامريكية(c.n.n)فدخل الخبر بيوتا كثيرة فكساها حلة من الحزن الداكن.